محمد جواد مغنية

492

في ظلال نهج البلاغة

الهوى ، ولا تفتنه الدنيا ، وقد طلقها ثلاثا قولا وعملا . . ولكن هذه هي لغة الأولياء والقديسين ، ومن قبله قال رسول اللَّه ( ص ) : * ( « قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلِ ا للهُ وَ ) * - 24 سبأ » وقال نوح : * ( « وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * - 47 هود » . ( فتكون كالصعب النفور ) أي البعير الصعب الذي ينفر ولا يمكَّن أحدا من ظهره ( وانما قلب الحدث كالأرض إلخ ) . . قال الإمام في أول هذه الوصية : من الوالد . . إلى المولود . وقلنا : المراد بالمولود الولد من حيث هو انسان بصرف النظر عن الحسن وغيره من الأفراد ، وقول الإمام : « كالصعب النفور . . وقلب الحدث » قرينة قاطعة على ما قلناه في تفسير المولود ، لأن سن الحسن كانت أكثر من ثلاثين سنة حين أوصى أبوه بهذه الوصية ، ولأن الحسن أحد الذين عنتهم الآية 33 من سورة الأحزاب - بالتطهير من الرجس ، وأيضا هو أحد الذين أرادهم النبي ( ص ) بحديث الثقلين . وسبق الكلام عن هذا الحديث ، وآية التطهير أكثر من مرة . . هذا ، إلى أن الإمام أثنى في العديد من خطبه على أهل البيت ، وأمر باتباعهم ، ومن ذلك قوله في الخطبة الثانية : « عيبة علم اللَّه - أي وعاؤه - وموئل حكمه ، وكهوف كتبه » وقوله في الخطبة 95 : « اتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى » إلى كثير من ذلك . وأقوال الإمام ينسجم بعضها مع بعض كما تنسجم بمجموعها مع علمه ودينه وأفعاله ، وإذا كان قلب الحدث « كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته » كما قال الإمام فإن الحسن كان ، وهو طفل ، في حجر جده رسول اللَّه ( ص ) يحضر مجلسه ويسمع منه ويحفظ ، وقد روى عن جده بعض الأحاديث تناقلها العلماء ودوّنوها في كتبهم ، منهم الترمذي في صحيحه ، والدارمي في سننه ، وأبو نعيم في حليته ، وابن الأثير في أسد الغابة . ( لتستقبل جد رأيك ) . جد - بكسر الجيم - أي المحقق ، تقول : فلان عالم جد عالم أي متناه في العلم ( ما قد كفاك أهل التجارب إلخ ) . . أي ان الإمام يزوده بالمعلومات الكافية لاعتداله وكماله في آرائه وأفعاله ، وتغنيه عن التجارب وأتعابها ( وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي إلخ ) . . المعرفة لا تقاس بالموهبة وحدها ، ولا بالعمر المديد ، وإنما تقاس بالرؤية والخبرة ، وكثرة الممارسة ، وقد امتدت الحياة بالذين سبقوا الإمام أكثر منه بكثير ، ولكن الإمام جرب